صديق الحسيني القنوجي البخاري
46
فتح البيان في مقاصد القرآن
يتصور منه النصرة أصلا في الدار الآخرة وإذا كان الناصر منحصرا فيه لزم أن لا نصرة من غيره . ويحتمل أن يراد باليوم بعض زمان الدنيا وهو على وجهين : الأول : أن يراد البعض الذي قد مضى وهو الذي وقع فيه التزيين من الشيطان للأمم الماضية فيكون على طريق الحكاية للحال الماضية . الثاني : أن يراد البعض الحاضر وهو وقت نزول الآية والمراد تزيين الشيطان لكفار قريش فيكون الضمير في وليهم لكفار قريش أي فهو ولي هؤلاء اليوم ، أو على حذف مضاف أي فهو ولي أمثال أولئك الأمم اليوم ومن كان الشيطان وليه وناصره فهو مخذول مغلوب مقهور وإنما سماه وليا لهم لطاعتهم إياه وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ في الآخرة وهو عذاب النار . ثم ذكر سبحانه أنه ما هلك من هلك إلا بعد إقامة الحجة عليهم وإزاحة العلة منهم فقال : وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ هذا خطاب لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم والمراد بالكتاب القرآن والاستثناء في إِلَّا مفرغ من أعم الأحوال أي ما أنزلنا عليك لحال من الأحوال ولا لعلة من لعلل إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ أي للناس وإنما جر هذا باللام لاختلاف فاعله مع فاعل الفعل فإن المنزل هو اللّه والمبين هو النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم وإنما نصب اللذان بعده لاتحاد فاعلهما مع فاعل الفعل لأن الهادي والراحم هو اللّه كما أنه المنزل الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ من التوحيد والشرك والجبر والقدر وأحوال البعث واثبات المعاد وسائر الأحكام الشرعية . وَهُدىً عطف على لنبين وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ باللّه سبحانه ويصدقون ما جاءت به الرسل ونزلت به الكتب لأنهم هم المنتفعون . ثم عاد سبحانه إلى تقرير وجوده وتفرده بالآلهية بذكر آياته العظام وبيناته الفخام فقال : وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ أي من السحاب أو من جهة العلو كما مر ماءً أي نوعا من أنواع الماء فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها أي أحياها بالنبات والزرع بعد أن كانت يابسة لا حياة بها . إِنَّ فِي ذلِكَ الانزال والاحياء لَآيَةً أي علامة دالة ودلالة واضحة على وحدانيته وعلى بعثه للخلق ومجازاتهم لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ كلام اللّه سماع تدبر وانصاف ويفهمون ما يتضمنه من العبر ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ، فالمراد سمع القلوب لا سمع الآذان لأن من لم يسمع بقلبه فكأنه لم يسمع وكأنه أصم .